محمد بن وليد الطرطوشي

474

سراج الملوك

الباب الحادي والستون في ذكر الحروب وتدبيرها وحيلها وأحكامها من حزم الملك : أن لا يحقّر عدوه وإن كان ذليلا ، ولا يغفل عنه وإن كان حقيرا ، فكم من برغوث أسهر فيلا ، ومنع الرقاد ملكا جليلا . وقال الشاعر : فلا تحقرنّ عدوّا رماك * وإن كان في ساعديه قصر فإنّ السيوف تحزّ الرّقاب * وتعجز عمّا تنال الإبر وفي الأمثال : لا تحقرن الذليل ، فربما شرق بالذباب العزيز . ومثل العدو مثل النار ، إن تداركت أولها سهل إطفاؤها ، وإن تركت حتى استحكم ضرامها « 1 » ، صعب مرامها ، وتضاعفت بليّتها . ومثله أيضا : مثل الجرح الردىء ، إن تداركته سهل برؤه ، وإن أغفلته حتى نغل « 2 » ، عظمت بليّته ، وأعيا الأطباء برؤه . واعلموا : أن الناس قد وضعوا في تدبير الحروب كتبا ، ورتّبوا فيها ترتيبا ، فلا يسع أهل سائر الأقاليم حملها ، إذ لكل أمة في الغالب نوع من التدبير ، وصنف من الحيلة ، وضرب من المكيدة ، وجنس من اللقاء ، والكرّ والفر وتعبية المراكب ، وحمل بعضهم على بعض . ولكن نصف منه أشياء تجرى مجرى المعاقد « 3 » ، لا تكاد تختلف في إنهاء أزمة الحروب : ونبدأ أولا : بما ذكره الله تعالى في القرآن قال الله تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [ الأنفال : 60 ] فقوله مَا اسْتَطَعْتُمْ مشتمل على كل ما في مقدور البشر من العدّة ، والآلة ، والحيلة .

--> ( 1 ) استحكم ضرامها : اشتد اشتعالها وتمكّن . ( 2 ) نغل : فسد . ( 3 ) المعاقد : الاعتقاد الجازم أو مواضع العقد .